أبي منصور الماتريدي

112

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أو أن يخشوه فيما أوعدهم . ثم الأصل : أن ما من مؤمن بالبعث - سوى المعتزلة - إلا وهو يخشى الله تعالى ، لكنهم يتفاوتون في الخشية . ثم الخشية تقتضي الرجاء والخوف ، ليس كالأمن والإياس الذي لا يقتضي كل واحد منهما إلا وجها واحدا ، وإذا كانت الخشية تقتضي ما ذكرنا ، فكل مؤمن يخاف عذاب الله تعالى ؛ لما رأى من كثرة نعم الله تعالى وغفلته عن حقوق تلك النعم ؛ لأن من حقها أن يشكر الله تعالى عليها ، وقد عرف كل [ مؤمن تقصيره ] « 1 » في أداء الشكر وتفريطه في قضاء « 2 » الحقوق ؛ فيرجو رحمته ، لما عرف من سعة رحمته ، وعرفه متفضلا عفوّا غفورا ، لكن فيهم تفاوت في الخشية والرهبة : فمن كان أذكر « 3 » لغفلته ، فهو لعقوبته أكثر خشية ، ومن كان أقل ذكرا لغفلته فهو أقل خشية ؛ فيتفاوتون على تفاوتهم في الذكر ، وهو كالموت الذي يرهبه الناس جميعا ويتيقنون بحلوله ، لكنهم يتفاوتون في ذلك : فمن كان له أكثر ذكرا ، كان أبلغ في التيقظ ، وأكثر رهبة ، ومن كان أغفل عن ذكره فهو له أقل رهبة . ولقائل أن يقول : كيف جعلتم كل مؤمن خائفا راجيا ، والراجي : هو الذي يطلب ، والخائف : هو الذي يهرب ، فكل من رجا شيئا يعلم أنه لا وصول إليه إلا بأعمال وأسباب ، فهو يقوم بتلك الأعمال ، بغاية ما يحمله وسعه ؛ ليصل إلى مأموله ، وإذا لم يقم بها لم يكن راجيا في الحقيقة ، بل كان متمنيا ، وكذلك من خاف حقيقة الخوف ، وعلم أن المخوف نازل به إن لم يهرب ؛ فهو يهرب مما يخافه أشد الهرب . ثم كثير من المؤمنين تراهم مقصرين في الأعمال التي يتوصل بها إلى بلوغ الآمال ، ولا يهربون مما يخافون منه أشد الهرب وغاية الخوف ، فكيف وصفتم كل مؤمن بالخوف والرجاء وكثير منهم لا يتحقق فيهم هذا الوصف ؟ ! واستدل على صحة ما ذكر بقوله - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ [ البقرة : 218 ] ، فالراجي لرحمة الله من دأب في طاعته ، وقال - تعالى - : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [ المؤمنون : 60 ] ، فقيل : يا رسول الله ، هم الذين يزنون ويسرقون ؟ ! فقال : « بل هم الذين يصومون ويصلون وقلوبهم وجلة » ، وقال - تعالى - : إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [ الأنبياء : 28 ] .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : أداء . ( 3 ) في أ : إذا ذكر .